ربما ليس هناك من مثقف او باحث، أو شاعر أو معارض داخل وخارج المغرب، لم يكتب أو لم تلوح له فكرة و نزوة نشر مقاله على صفحات جريدة “أخبار اليوم”.

فمنذ غاذر توفيق بوعشرين سفينة ‘المساء”، التي أسسها مع رشيد نيني وعلي أنوزلا وسمير شوقي ومحمد العسلي… ليمتطي صهوة تجربة” أخبار اليوم”، وهو يحاول أن يجد لنفسه ولجريدته موطء قدم ضمن” الأقلام البديلة” التي تعزف معزوفة النقد” الموضوعي” للنظام الحاكم بالمغرب. ولكن كان لابد أن يجد ممولين، وطبعا لن يجدهم إلا من الخارج.

كثر الحديث في كواليس الصحافة على أن توفيق بوعشرين، بوساطة من عزمي بشارة (مستشار فلسطيني نافذ بدولة قطر) قد حصل على “حقيبة” مليئة بالريال القطري لدعم تجربته الصحفية النقدية الناشئة(النقد وليس النقود). وحصل أيضا، بوساطة زميليه علي أنوزلا وحسين المجدوبي (كان لكل واحد عموده القار بالجريدة)، على دعم مالي من “الأمير الأحمر”. وكانت له انشطة “أكاديمية” بتركيا، وتم تداول أخبار عن تمويل تركي لسفرياته (للتذكير فقد تم إرجاعه في أحد المرات من مطار محمد الخامس وهو يستعد لامتطاء الطائرة نحو اسطنبول ليحاضر طبعا حول الربيع المغربي).

اشكال تمويل تجربة “أخبار اليوم’ في بدايتها كانت تنذر باحتكاكها غير الصحي مع الأجهزة بالمغرب. فهذه الأخيرة تعرف تمام المعرفة ان من” يدفع ثمن المعزوفة” هو من يحدد مسبقا شكل الرقصة.

لم يكن قلم بوعشرين ولا أقلام من يكتبون معه هو الأمر الوحيد المزعج في القصة، بل كانت في العمق ” الأجندة السياسية” المحركة للجريدة (وطبعا السياسة هي الصحفي الأول) ، بحيث لم يكن مدير نشر الجريدة كاتبا فقط له آراء يعبر عنها بل كان منخرطا في مشروع وهو مشروع “الإعلام البديل” الممول من الخارج الذي تيقن، آنذاك، أن فرصة خروجه للوجود باتت سانحة بالمغرب.
ولمن يتذكر النهج التحريري للجريدة إبان الحراك المغربي لسنة 2011, سيتذكر طبعا ان الجريدة كانت منبرا لمن اعتقد نفسه “منظرا للحراك” وفتحت الجريدة صفحاتها على مصراعيها لمختلف المشارب السياسية التي كانت تشترك في قاسم واحد : جدوى وراهنية وأهمية حراك شوارع المغرب إبان الربيع العربي..

هته الأقلام اختفى للأسف جلها، وقد احتفى الحراك في الشهر الفائت بمرور عشر سنوات على اندلاعه بدون أن نرى جل هؤلاء المنظرين. من كان يحركهم؟ هل فعلا الحراك؟؟

بعد ذلك انتعشت “أخبار اليوم” في مبيعاتها وصفقاتها الإشهارية ونشطت حولها شبكة صارمة من المتعاونين، والمنخرطين وذلك مع مجئ حزب العدالة والتنمية لقيادة الحكومة. فتكلف بوعشرين وجريدته بمهمة صعبة لكنها مجزية، وهي النطق والجهر بالمحرمات مكان الحزب الحاكم وأعضاءه. وطبعا لم يكن هناك أقوى وأصعب من محرم الكلام عن الملكية وانتقادها.

سيبدو من الوهلة الأولى انه خط تحريري شرعي ومشروع، بل قوي وشجاع. لكن من الصعب التصديق بأن غايات بوعشرين وأخبار اليوم كانت “ثورية إصلاحية” لوثرية (مارتن لوثر) بقدر ما كان تموقعا بجرعات زائدة من الجرأة لوجود ضمانات ان النظام الحاكم بالمغرب لم يعد بتلك القوة الباطشة.
جميل أن يجد “المظلومون” كيفما كانت انتماءاتهم العقدية منبرا إصلاحيا للتعبير الحر.. لكن، ألم تكن “أخبار اليوم” انتقائية في ذلك؟ ألم تلعب ورقة الركوب على الأزمة السياسية لتحسين وتحصين مواقع ظنت انها فعلا تفاوض من أجلها؟ ألم تقع “أخبار اليوم” ضحية استباقية وتسرع قراءات بوعشرين لموازين قوى “جديدة” بين الإسلاميين والقصر وضعها كمعالم للخط التحريري لأخبار اليوم؟

لم يبق النظام صامتا ولم يكن يتربص بالرجل وينتظر حتى يمسك به “متلبسا” في جناية الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي. ظلت “أخبار اليوم” تتلقى إشارات، ربما استهان بها مديرها، أو قرأ رموزها قراءة معكوسة..
كانت حادثة متابعة بوعشرين قضائيا من طرف المولى اسماعيل ابن عم الملك (أخ الممول الأول للجريدة) إشارة.. وكان تشميع مقر الجريدة ومن بعد تنازل الأمير عن دعواه إشارة.. وكان حادث متابعة بوعشرين في قضية استغلال مختل عقلي للنصب عليه والاستيلاء على فيلا في ملكيته إشارة.. وكان حادث إرجاع بوعشرين من المطار قبل إقلاع الطائرة نحو تركيا إشارة..
في الواقع، تظل الأجهزة ترسل الإشارات لمن يهمه الأمر.. وهنا لا احتمل مطلقا الدفاع عن منطق الإشارات كما لا احتمل أيضا تعنت مدراء النشر في التقاطها وفهمها وتدبيرها والتفاوض حولها، لأنه وببساطة تبقى الجريدة مؤسسة استثمارية تخضع لمنطق التوافق، ولا اعرف سوى المناشير السرية التي يمكن أن تتمتع بتحرير سياسي مفرط في التحرر..
منطق التفاوض والتدبير المؤسساتي للأزمة التصادمية مع الأجهزة هي ربما الأمور التي أحس بوعشرين بعدم جدواها، وذلك ما لم يفعله مؤسس جريدة “أخبار اليوم” التي تغلق أبواب مكاتبها يوم 16 مارس 2021. أظن أن أخبار اليوم أغلقت منذ دخول مؤسسها السجن بتهمة أخلاقية صدمت الجميع.. كما لا يصح لباقي المنابر التشفي في موت منافس قوي لها ظل صامدا بشكل مبهر، لأنها كلها تحت رحمة موت سريري، ربما منذ اندلاع الربيع المغربي.

أجد نفسي متضامنا مع الزملاء بجريدة أخبار اليوم الذين توقف عملهم وتوقفت أجورهم، ولا أظن أنني اجدني مقتنعا بأن اسباب توقف النشر راجع بالأساس إلى سوء تدبير ما.. اظنه قتل متعمد ذرءا لمزيد من الألم، ورصاصة رحمة تم إطلاقها بتفاوض بين فرقاء القصة.. ربما كان التوقف شرط جزافي حتى تتم دراسة إمكانية تخفيف التضييق على من ساهم في “تأجيج الرأي والقلم” بجريدة أخبار اليوم..

يونس وانعيمي

0 ردود

اترك رداً

تريد المشاركة في هذا النقاش
شارك إن أردت
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *